© Christophe Simon/Picture alliance/AFP Creative

رؤية لإعادة الإعمار

رؤية لإعادة الإعمار

تتمثل إحدى المهام الرئيسية، عند التخطيط لإعادة الإعمار المراعية للاعتبارات الثقافية، في الاتفاق على رؤية شاملة وعلى أهداف محددة. يجب اتخاذ القرارات بشأن كيفية إعادة بناء واستعادة التراث العمراني والأولويات و موقع البدء بإجراءات الاستعادة الأولية.

تُفهم الرؤية عموماً على أنها مبدأ إرشادي تتم صياغته بطريقة مفهومة ومتاحة لمجموعة واسعة من أصحاب المصلحة والجهات الفاعلة. تقوم الرؤية على القيم، وتعبر عن الرغبة، و تكون نوعية، وتشكّل فاتحة للتغيير الطوعي. إنها تلتقط وتنقل الاتجاه العام على أساس الإجماع، أو تسعى إلى التوصل إلى توافق في الآراء. وتحتاج الرؤية في نهاية المطاف إلى أن تترجم إلى أهداف تنفيذية.

إن الرؤية المنشودة لاستعادة التراث العمراني بعد انتهاء النزاع ليست في تحويل المدينة إلى متحف، ولا إعادة تطوير حديثة كلية، بل في جعل المدينة حية قادرة على حفظ وتكييف وتفسير بنيتها التقليدية. ويجب النظر إلى البناء الجديد الضروري على أنه فرصة للاستجابة بحساسية للاحتياجات المعاصرة.

الأهمية

إنّ الهدف الأسمى من وضع رؤية لإعادة الإعمار هو شفاء الجراح التي سبّبها النزاع المسلح والحرب الأهلية. يجب أن تسعى الرؤية إلى إعادة تأسيس بيئة سياسية ومؤسساتية واجتماعية قادرة على الحفاظ على التراث المعماري وإحيائه قدر المستطاع، مع الانفتاح على التجديد والتغيير حيثما كان ذلك مناسباً.

يجب أن يتمكن المواطنون من الارتباط مرة أخرى بأصولهم الثقافية التاريخية، كما يجب أخذ طموحاتهم الأخرى بالاعتبار.

ما هي الجهات التي ينبغي إشراكها في صياغة الرؤية والأهداف؟

تعتمد الرؤية الناجحة لإعادة الإعمار ما بعد النزاع على وجود إجماع واسع بين أصحاب المصلحة المعنيين على المستويين المحلي والوطني.

يجب مناقشتها والتفاوض بشأنها، ليس فقط مع صانعي القرار السياسي والمخططين المتخصصين والخبراء التقنيين ومنظمات المجتمع المدني والهيئات التمثيلية الأخرى، ولكن أيضاً مع المواطنين وأصحاب الأعمال المتضررين.

من الضروري كذلك الأخذ بالاعتبار مصالح اللاجئين والنازحين الراغبين بالعودة إلى منازلهم وأماكن عملهم السابقة.

في حالة ما بعد النزاع، يمكن أن تتغير تركيبة أصحاب المصلحة ومصالحهم وموقفهم السياسي مع الاستعادة المبدئية للسلامة والأمن الذي يسمح بالعودة إلى الحياة اليومية والسلام الحقيقي. يجب أن يحتل هذا الواقع المليء بالتحديات، والأضرار التي لحقت بالمؤسسات بسبب النزاع، الحيز الكافي في مبادرات التخطيط لإعادة الإعمار.

النُهج والأدوات

الالتزامات والخطط السابقة للنزاعات

Collage F. Laue

النُهج والأدوات

الالتزامات والخطط السابقة للنزاعات

تعد الالتزامات السابقة للنزاع الناشئة من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتراث الثقافي العمراني، وخاصة اتفاقية اليونسكو للتراث العالمي لعام 1972، مرجعاً قوياً لصياغة رؤية وأهداف إعادة الإعمار، مع التزام واضح باستعادة أو ترميم التراث الثقافي المدمّر أو المتضرر.

وهذا ينطبق بشكل خاص على مواقع التراث العالمي، التي تفرض التزامات رئيسية على كل من الدول الأطراف وأصحاب المصلحة المحليين المعنيين.

كذلك يمكن بالطبع اعتماد هذه التعهدات والالتزامات بالنسبة للمدن التاريخية التي لا تتمتع بحماية خاصة.

يمكن أن توفر خطط التنمية والاستراتيجيات والإرشادات، التي صيغت من أجل إعادة تأهيل وحماية مراكز المدن التاريخية قبل اندلاع النزاع، نقطة انطلاق جيدة للتخطيط لإعادة الإعمار و الاستعادة في المناطق العمرانية. تكون هذه الخطط والوثائق متوفرة عادةً عن مواقع التراث العالمي المحمية وعن المدن التاريخية الأخرى غالباً.

من بين المراجع الرئيسية المتوفرة عند تحديد أهداف إعادة الإعمار ما يلي:

  • مخططات الإدارة الموضوعة مسبقاً والتي تتوافق مع المبادئ التوجيهية التنفيذية لليونسكو بشأن تنفيذ اتفاقية التراث العالمي
  • تقارير الدولة المعنية عن حالة حفظ المواقع ذات الأهمية الخاصة لتراثها العمراني والمدرجة في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر

سيناريوهات

F. Laue

قد يكون وضع و مقارنة السيناريوهات والخيارات البديلة مفيداً عند السعي إلى إجراء مناقشة مفتوحة وخطاب عام حول رؤية وأهداف إعادة الإعمار. يمكن أن يساعد هذا النهج على حشد دعم عامة الناس والمجتمع المدني لحماية واستعادة التراث العمراني.

يمكن أن تقدّم السيناريوهات أيضاً توجيهاً لاتخاذ القرار، سواءً على المدى القصير أو الطويل، وتحديد أولويات العمل وتخصيص الموارد.

الخطاب و النقاش العام

Syrien, Aleppo, Jalloum Viertel beim Bab Qinisrin, zwei Moslems beim diskutieren

يعتبر النقاش العام مساراً آخر للتوصل إلى توافق حول الرؤية والأهداف الخاصة باستعادة وترميم التراث العمراني و تطوير فهم مشترك لأهداف وأساليب إعادة الإعمار.

يكمن أحد التحديات الرئيسية في بناء الثقة والجمع بين المصالح التي قد تكون متباينة لأصحاب المصلحة والجهات الفاعلة في إطار ما بعد النزاع، حيث قد يكون توقف القتال، ولكن لم تتم بعد معالجة الأسباب الجذرية للنزاع.

يمكن لوسائل الإعلام تسهيل وتشجيع الخطاب و النقاش العام من خلال تعزيز الحوار والتواصل بين الأفراد والمجتمعات، وبين الأجيال و المصالح. تستطيع كل من القنوات الإعلامية التقليدية والحديثة، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، رفع مستوى الوعي وتشجيع المشاركة الفعالة في تحقيق رؤية مشتركة لإعادة الإعمار والمصالحة الاجتماعية.

يمكن أن يتم الخطاب و النقاش العام في اجتماعات البلدية والمنتديات المشابهة، مثل ورش العمل التخطيطية أو الفعاليات الثقافية أو المؤتمرات التي تتناول جوانب مهنية أو تقنية محددة.

وارسو: إعادة الإعمار برؤية مشتركة

© Semashko/Picture alliance/dpa

في آب 1944 تم تدمير مركز العاصمة البولندية من قبل القوات المسلحة الألمانية المحتلة، والتي كانت تتراجع حينذاك أمام الجيش الأحمر السوفياتي المتقدم. بعد نهاية الحرب، أعادت الدولة البولندية بالإرادة والجهد المشتركين بناء مركز المدينة القديمة والذي دمّر 85٪ منه أو أصبح أطلالاً. كانت الرؤية المشتركة هي استعادة المدينة التاريخية كممثل رئيسي للثقافة البولندية.

كانت إعادة إعمار المركز التاريخي مشروعاً متماسكاً وتمّ تنفيذه بشكل متّسق وبإشراف مكتب إعادة الإعمار في وارسو في الأعوام 1945-1951. وتمت الاستفادة من الهياكل غير المتضررة التي بنيت بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر، وشبكة الشوارع والساحات التي تعود إلى العصور الوسطى، بما في ذلك ساحة السوق الرئيسية و أسوار المدينة أيضاً.

تم اتباع مبدأين توجيهيين: أولاً، استخدام وثائق أرشيف موثوقة حيثما أمكن، وثانياً، إعادة إنشاء الوجه التاريخي الذي تمتعت به المدينة في أواخر القرن الثامن عشر، الأمر الذي اعتمد على توفر السجلات الأيقونية والوثائقية التفصيلية التي يرجع تاريخها إلى تلك الفترة. كما تم استخدام مخزون الحفظ الذي تم جمعه إما قبل عام 1939 أو بعد عام 1944، بالإضافة إلى المعرفة والخبرات العلمية لدى مؤرخي الفن والمهندسين المعماريين والقائمين على أمور الحفظ.

هذا الإحياء لمدينة قديمة بعد تدميرها شبه الكامل، يعطي مثالاً عن كيفية نجاح عملية الاستعادة والترميم عندما تستند إلى رؤية مشتركة يدعمها السياسيون والمخططون والسكان. في عام 1980، وبعد ما يقرب من 30 عام من مشروع إعادة الإعمار بعد النزاع، تم إدراج المركز التاريخي لوارسو كموقع تراث عالمي لليونسكو تقديراً للجهود المشتركة للشعب البولندي.

مزيد من المراجع و المصادر

Date: 27. September 2018 | Last modified: 16. August 2019

You might also be interested in...

© OTH Regensburg

النماذج ثلاثية الأبعاد

النماذج ثلاثية الأبعاد هي إحدى وسائل توثيق الآثار التاريخية. يمكن استخدامها كأدوات للبحث العلمي،أو لحفظ ذاكرة الموقع، أو لتحقيق إمكانية

© SHAP

الأرشيف الرقمي

تقدّم التقنيات الحديثة، بما في ذلك الرقمنة تحديداً، فرصاً جديدة لتسجيل وتخزين المعلومات المتعلقة بمواقع التراث الثقافي والآثار التاريخية و

An employee looks at an archaeological map at the exhibition 'Uruk - 5,000 Years Megacity' at the LWL Museum for archaeology in Herne, Germany, 31 October 2013. CAROLINE SEIDEL

© Caroline Seidel/Picture alliance/dpa

خرائط الأساس

في المراحل المبكرة من التخطيط لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع، تتمثّل أحد المهام الرئيسية في إنتاج خرائط أساس

Excavation site in the Downtown of Beirut, Lebanon amongst the modern building 27 April 2014. Matthias Tödt

© Matthias Tödt/Picture alliance/zb

المعلومات الأثرية

إنّ العديد من المدن القديمة في الشرق الأوسط مبنية على طبقات من حضارات مختلفة تعود أحياناً إلى عصور ما قبل