© UNESCO

التراث الثقافي العمراني

الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتراث الثقافي العمراني

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وضع المجتمع الدولي، ولا سيما اليونسكو، مجموعةً شاملة من الاتفاقيات والإعلانات حول حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه.

وهي تشمل بروتوكولي اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقية التراث العالمي لعام 1972، والعديد من التوصيات والمواثيق والاتفاقات الأخرى المتعلقة بحفظ المناطق العمرانية و ترميمها ومخاطر الكوارث وإدارتها.

الأهمية

يفرض، اليوم، التدمير الواسع النطاق للتراث الثقافي العمراني أثناء النزاعات المسلحة، كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن، تحديات غير مسبوقة فيما يتعلق بالاستعادة والترميم.

من بين المنظمات المهمة التي تسعى إلى معالجة هذه الصعوبات، اليونسكو والبنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNISDR) و المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية (ICOMOS)، لكن مساعي تلك المنظمات تبقى غير منسّقة في ظل غياب اختصاصات فردية واضحة. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تركّز اهتمامها على الآثار القديمة بالدرجة الأولى وتُغفل التجمعات والمدن العمرانية.

وبغض النظر عن التأثير الذي تمارسه المنظمات المذكورة أعلاه، فإن التزامات الدول الأطراف ما قبل النزاع بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة يمكن أن يلعب دوراً هاماً في صياغة رؤية وأهداف إعادة الإعمار. ينطبق ذلك بشكل خاص على المواقع المدرجة في لائحة اليونسكو للتراث العالمي، والتي يتوجّب لزاماً على القيّمين عليها حفظ وحماية واستعادة القيمة العالمية البارزة نظراً لأهميتها لأجيال الحاضر والمستقبل.

المستخدمون والجمهور المستهدف

رغم أن الدول الأطراف تقر بالمسؤولية السيادية عن التراث الثقافي عند توقيعها على الاتفاقيات الدولية، فإن دعوة الدول إلى الوفاء بالتزاماتها هي غالباً عملية غير مثمرة أثناء الحروب الأهلية أو الاضطرابات السياسية. إلا أنه يمكن للمجتمع الدولي والمنظمات المحلية أن تستند إلى جوهر اتفاقيات التراث الدولية وتقدم الالتماس من أجل القيام بإعادة الإعمار المراعية للخصائص الثقافية.

الأدوات والوسائل

اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح

© Gutbrod/Picture alliance/dpa

تشمل هذه الاتفاقية التراث الثقافي المنقول وغير المنقول. كان العائق الرئيسي أمام نجاح بروتوكولها الأول، الذي اعتمد عام 1954 و سعى إلى حماية “الممتلكات ذات الأهمية الكبرى للتراث الثقافي لكافة الناس”، هو وجود قوائم غير كاملة وغياب التعريف الواضح.

في أعقاب مزيد من النزاعات، تم تمرير بروتوكول آخر عام 1999 يرمي إلى تعزيز الاتفاقية، وينص على إنشاء نظام حماية لـ “التراث الثقافي ذو الأهمية البالغة للبشرية”.

تعتمد فعالية الاتفاقية وبروتوكوليها في نهاية الأمر على حسن النية ومبدأ التعامل بالمثل، ولن تكون ذات فائدة ما لم يوقّع عليها كافة أطراف النزاع. إن لم يكن أي من هذه الأطراف جهةً حكومية، فلن يكون مؤهلاً للتوقيع على الاتفاقية

اتفاقية اليونسكو للتراث العالمي لعام 1972

© UNESCO???

تعد هذه الاتفاقية أحد أهم أدوات حفظ التراث العالمي. تتمثل مهمتها الأساسية في تحديد وحماية التراث الطبيعي والثقافي العالمي الذي يعتبر ذا قيمة عالمية استثنائية، وهي تجسد الفكرة الرؤيوية التي تقول أن بعض الأماكن مهمة للغاية بحيث لا تقع مسؤولية حمايتها على عاتق دولة واحدة فحسب، بل على عاتق المجتمع الدولي ككل. توافق الدول الأطراف الموقعة على الاتفاقية على الامتناع عن اتخاذ أي تدابير متعمدة من شأنها إلحاق الضرر بالتراث الثقافي والطبيعي لأطراف أخرى في الاتفاقية، ومساعدة الأطراف الأخرى على تحديد وحماية ممتلكاتها.

يتم تسهيل تنفيذ الاتفاقية من خلال مبادئ توجيهية عملياتية تعرّف إجراءات إدراج المواقع الجديدة، وحماية المواقع، وقوائم الخطر، وتوفير المساعدة الدولية في إطار صندوق التراث العالمي.

تحكم لجنة التراث العالمي الاتفاقية بدعم من مركز اليونسكو للتراث العالمي، وأمانة الاتفاقية، وثلاث هيئات استشارية فنية للجنة: الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية (ICOMOS) و المركز الدولي لدراسات حفظ الممتلكات الثقافية وترميمها (ICCROM).   الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة هو الهيئة الاستشارية للتراث الطبيعي، وهو يراقب المواقع المذكورة في القائمة ويقيّم المواقع الجديدة المرشحة لقائمة التراث العالمي من خلال تطبيق معايير الاختيار الطبيعية ذات الصلة.

تدرك الاتفاقية مجموعة التهديدات لتدمير التراث الثقافي والطبيعي، بما في ذلك اندلاع نزاع مسلح، و الموارد غير الكافية، في كثير من الأحيان، المتاحة للدولة المتأثرة.

قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر

© UNESCO ???

تقوم لجنة التراث العالمي بإعداد ونشر قائمة بالتراث العالمي المهدد بالخطر، تحتوي على مواقع مهددة بمخاطر خطيرة ومحددة، مثل:

  • المشاريع الإنمائية
  • اندلاع أو تهديد نزاع مسلح
  • الكوارث الطبيعية.

تسعى اللجنة إلى الحصول على موافقة الدول الأطراف قبل أي إدراج في قائمة “المُعرّض للخطر”، ولكن في الحالات التي يكون فيها الموقع مهدداً ولا توجد حكومة فعلية، يمكن أن تصل اللجنة إلى قرار بمفردها. عندما تقوم اللجنة بإدراج موقع جديد في القائمة يتوجب عليها نشره على الفور.

تحتوي قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر حالياً على 54 ملكية، يقع أكثر من نصفها في الشرق الأوسط. تم إدراج معظم معالم التراث العالمي في أراضي سوريا واليمن والعراق على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

الإجراءات القانونية من خلال محكمة الجنايات الدولية

© Jerry Lampen/Pool/Picture alliance/dpa

محكمة الجنايات الدولية هي منظمة حكومية دولية ومحكمة دولية تقع في لاهاي في هولندا. إدراكاً لأهمية حماية التراث الثقافي من الهجمات في أوقات النزاع، قامت اليونسكو و محكمة الجنايات الدولية بإعطاء الصفة الرسمية لتعاونهما وبتعزيزه من خلال التوقيع على إعلان النوايا في تشرين الثاني عام 2017.

في تصريح بمناسبة التوقيع، قالت إيرينا بوكوفا، المدير العام لليونسكو “إن التدمير المتعمّد للتراث الثقافي لا يؤثر فقط على هوية الناس التاريخية بل يغذي العنف الطائفي ويعيق التعافي وبناء السلام في مرحلة ما بعد النزاع. يجب على اليونسكو و محكمة الجنايات الدولية تعزيز تعاونهما لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، فهي ضرورة إنسانية وأمنية.”

إن الحكم التاريخي الأخير لمحكمة الجنايات الدولية في قضية تدمير الأضرحة والمزارات في تمبكتو (مالي)، والذي كان الأول من نوعه، أظهر بوضوح أن الاستهداف المتعمّد للتراث الثقافي جريمةً خطيرة تسبب معاناة كبيرة للمتأثرين منها مباشرةً وسواهم. أصدرت المحكمة بعد ذلك أمراً بجبر الضرر، ينص على أن لضحايا هذه الجرائم الحق في الحصول على تعويض.

وقد تمت الإشارة إلى أهمية مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب ضد التراث الثقافي في القرار رقم 2347 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي كان أول من أدان التدمير غير المشروع للتراث الثقافي. في السنوات الأخيرة، أدت هذه التطورات غير المسبوقة إلى تعاون متكرر بين اليونسكو ومكتب المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية، استناداً إلى تقارب الأهداف في إطار صلاحياتهما المستقلة.

.

مراجع أخرى

أصدرت محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغوسلافيا سابقاً حكماً على جنرال يوغوسلافي سابق، من بين أمور أخرى، لتدمير و إيذاء موقع التراث العالمي في مدينة دوبروفنيك القديمة.

دراسة حالة لتدخل اليونسكو لحماية واستعادة موقع التراث العالمي في دوبروفنيك في كرواتيا

© Picture alliance/dpa

دوبروفنيك مدينة جميلة في جنوب كرواتيا تطل على البحر الأدرياتيكي، وهي تشتهر ببلدتها القديمة المميزة، والتي تم بناؤها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتحيط بها جدران حجرية ضخمة. تشمل المباني التي حُفظت جيداً عبر التاريخ كنيسة القديس بليز، وقصر سبينوزا  من عصر النهضة، وقصر ريكتور القوطي. في عام 1979 أصبحت المدينة واحدة من أوائل المواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي.

في الفترة بين تشرين الأول 1991 وأيار 1992، تمت محاصرة المدينة من قبل الجيش الشعبي اليوغوسلافي الذي كان يسعى لتحقيق مكاسب على الأرض. ليس لمدينة دوبروفنيك أي أهمية عسكرية استراتيجية – كان الهدف من الهجوم على تراثها الثقافي هو تدمير أحد رموز الهوية الوطنية الكرواتية. أضرّ هذا الفعل العدواني بـ 542 معلماً من المعالم المعمارية في وسط المدينة التاريخية.

شملت الإجراءات المتخذة لحماية المدينة القديمة:

  • تحديد المعالم المعمارية بوضوح من خلال وضع علامة من علامات الحماية وفق اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية.
  • حماية الآثار المعمارية ذات الأهمية الكبيرة بأكياس من الرمل أو وسائل أخرى.
  • تم تذكير الجيش الشعبي اليوغسلافي بالتزاماته فيما يتعلق باتفاقية لاهاي لعام 1954.
  • في تشرين الثاني 1991، أرسلت بعثة من اليونسكو إلى دوبروفنيك لمساعدة القائمين على الحفظ ومؤرخي الفن المحليين في تحليل وتسجيل الأضرار. باستخدام الرسومات المعمارية والصور الفوتوغرافية والوثائق التي تم إنتاجها بعد وقوع زلزال عام 1979، أنشأ خبراء اليونسكو نظاماً للتوثيق يصنّف المباني التاريخية وفقاً لمدى الضرر وإمكانية الاستخدام.
  • كنتيجة لهذه المهمة، تمّ إدراج المدينة في قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر من أجل جذب الانتباه الدولي إلى الوضع و الشروع بتدابير الحماية الضرورية في حالات الطوارئ.

بعد نزاع البلقان، قام الخبراء الكرواتيون والدوليون الذين يمثلون اليونسكو بوضع خطة عمل تحدد أولويات ومنهجية إعادة الإعمار، بما في ذلك استخدام تقنيات ومواد بناء تقليدية، والحفاظ على البنى الأصلية، والحفاظ على المباني التاريخية.

في كانون الأول 1998 تمت إزالة مدينة دوبروفنيك من قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر.

© Jürgen Schwenkenbecher/Picture alliance

المزيد من المراجع و المصادر

Date: 24. August 2018 | Last modified: 16. August 2019

You might also be interested in...

Yemenis search for survivors under the rubble of old buildings destroyed by an airstrike in the old city of Sana'a, Yemen. 12 June 2015. EPA/ Yahya Arhab

© Yahya Arhab/Picture alliance/dpa

أولويات إعادة الإعمار

تتمثل إحدى المهام الأخرى الهامة للتخطيط في تحديد أولويات إعادة الإعمار وترجمتها إلى عمل مشترك يستند إلى خطط مفصلة.

© Stefano Bianca

إرشادات لإعادة الإعمار

تقدّم الإرشادات توجيهاً لمختلف أنواع أنشطة إعادة الإعمار التي تغطي مدينة تاريخية كاملة أو أحياء أو ساحات مستقلة.

© Franziska Laue

دليل إعادة الإعمار

تتطلب مراكز المدن التاريخية شديدة التضرر استثمارات كبيرة والتزاماً طويل الأمد. هناك طريقة عملية للتصدي لهذه التحديات وهي تتمثل في

© Christophe Simon/Picture alliance/AFP Creative

رؤية لإعادة الإعمار

تتمثل إحدى المهام الرئيسية، عند التخطيط لإعادة الإعمار المراعية للاعتبارات الثقافية، في الاتفاق على رؤية شاملة وعلى أهداف محددة.