© Matthias Tödt/Picture alliance/zb

المعلومات الأثرية

المعلومات الأثرية

إنّ العديد من المدن القديمة في الشرق الأوسط مبنية على طبقات من حضارات مختلفة تعود أحياناً إلى عصور ما قبل التاريخ. في زمن السلم، يتم عادةً جمع المعلومات عن التراث الثقافي الأثري في المناطق العمرانية القائمة و تحليلها و/ أو  تسجيلها في قواعد البيانات أو أنظمة المعلومات الجغرافية فقط في حال وجود سبب محدد، مثل أعمال بناء كبرى أو مشاريع إعادة تطوير عمراني واسع النطاق، والتي قد تكشف حفرياتها عن بقايا أثرية ذات قيمة عالية من المراحل السابقة من تطوّر المدينة.

في الحروب والنزاعات المسلحة الأخرى، يمكن للأضرار الناجمة عن القصف المدفعي أو الغارات الجوية أو الانفجارات أن تكشف عن هذه الطبقات. في حالات أخرى، في ظل غياب الأدلة، يمكن تدميرها عن غير قصد من خلال إجراءات إعادة الإعمار التي تحفر في عمق الطبقة التاريخية والأثرية.

الأهمية

من المهم للغاية حماية هذه الطبقات الحساسة من التراث الأثري، التي تشكّلت على مدى القرون وآلاف السنين، ضد الدمار المحتّم، والحفاظ عليها للأجيال القادمة. و هذا يستلزم جمع كافة السجلات الأثرية المتاحة، وإنشاء قاعدة بيانات عن الطبقات الأثرية الهامة، والمواقع والأماكن ذات الصلة في المدينة.

لكن قد تقدّم الجراح التي فتحتها الحرب، والتي ستلتئم ببطء، فرصاً فريدة لتحسين المعرفة عن المراحل السابقة من تطوّر المدينة و عن الحضارات التي بنت المدن.

لذلك فإن التوثيق المنتظم للمعلومات الأثريّة في حالة ما بعد النزاع سيوفر أساساً لحماية التراث الثقافي القيّم في عمليّة إعادة الإعمار و الترميم والبحث والتحليل الأثري.

المستخدمون والجمهور المستهدف

إن المستخدمين الرئيسيين للمعلومات الأثرية الموثّقة بشكل منهجي هم المؤسسات وأصحاب المصلحة المسؤولون عن إدارة وتخطيط وتنفيذ إعادة إعمار وترميم مراكز المدن التاريخية، وبالتحديد المخططون العمرانيون والمهندسون المعماريون والجهات المسؤولة عن المحافظة على الآثار. ستمكنهم المعلومات المجمّعة من التفكير جيداً بالموجودات الأثرية واتخاذ قرارات مطلعة في خطط ومشاريع إعادة الإعمار، ولا سيما قبل وأثناء إجراءات التدخل الميدانية الرئيسية.

كذلك فإن الوثائق المنهجية تدعم وتسهّل الأبحاث الأثرية والعلمية من خلال توفير إطار مرجعي لعلماء الآثار والمؤرخين و علماء جغرافيا العمران وغيرهم من العلماء.

النُهج والأدوات

قواعد البيانات الأثرية وخرائط الأساس

النهج القياسي لتوثيق المعلومات الأثرية هو إنشاء قاعدة بيانات جغرافية مرجعية يمكن استخدامها لإنتاج خرائط مواضيعية مع مستويات مختلفة من المعلومات الأثرية (وغيرها) حسب الحاجة في سياق معين.

في علم الآثار، تُستخدم أنظمة المعلومات الجغرافية (GIS) بصورة عامة لمعالجة بعدية و تحليل لمواقع التنقيب الأثري (التحليل ضمن الموقع الأثري) ولتقييم المعلومات المكانية في نطاق أثري يجمع عدد أكبر من المواقع و/ أو مشاريع التنقيب ( التحليل بين المواقع).

لأغراض توثيق المعلومات الأثرية في حالة ما بعد النزاع، يجب تكييف هذه الأنظمة مع احتياجات محددة، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات الأثرية في المناطق العمرانية القائمة والتي لم تكن سابقاً موضوع بحث و/ أو تنقيب (موسع). يجب أن يتمّ إلى حد كبير جمع المعلومات بعد تحليل وتقييم الوثائق والسجلات والأبحاث المتاحة، واعتماد نهج مماثل للنهج الذي طُبّق عند إنشاء الأرشيف الرقمي.

وبشكل عام يجب استكمال هذه المعلومات الأولية بإجراء فحوصات ومسوحات أرضية. غير أنه لا يمكن تنفيذ ذلك إلا بعد توقف القتال وبعد أن يصبح الوصول إلى المدن والمواقع ممكناً ويتم إرساء حدّ أدنى من السلامة والأمن.

ومن منظور أبعد أمداً، هناك حاجة لتحديث نظم المعلومات هذه بشكل دوري بالمعلومات المتولدة من عملية إعادة الإعمار وإعادة البناء.

تحليل الطبقات

© Mamoun Fansa

يجب في العديد من الحالات التحقق من الوثائق المستندة إلى تحليل المعلومات والسجلات والتأكد من صحتها على أرض الواقع من خلال البحوث الأثرية.

يستلزم النهج التقليدي تنقيباً طبقياً لتحديد المواقع النسبية للمصنوعات والبنى البشرية، وبالتالي التسلسل الزمني لمستويات الحرف المتعاقبة. ونظراً لوجود طبقات عديدة للحضارات في العديد من المدن القديمة في الشرق الأوسط، ولوجود الضغط الزمني للإصلاح وإعادة الإعمار في حالة ما بعد النزاع، فمن المهم إيجاد توازن بين مصالح البحث الأثري واحتياجات الأشخاص الذين يرغبون بالعودة وإعادة بناء منازلهم وموارد رزقهم.

قد يكون من الممكن في بعض الحالات تطبيق طرق التنقيب الأثري الافتراضية وغير الجائرة لتحديد المواقع الأثرية غير المعروفة أو غير المكتشفة سابقاً. رغم التقدم التقني الهائل الحاصل في السنوات الأخيرة، تبقى هذه التكنولوجيا محدودة إلى حد كبير في مسح المواقع في التضاريس المفتوحة.

تخطيط مناطق الحماية الخاصة

إنّ تخطيط وإنشاء مناطق حماية خاصة هو نهج عملي لكسب الوقت عند الحاجة إلى إجراء تقصيات مطولة لحماية طبقات التراث الأثري تحت الأرض في المناطق السكنية في المدن. يتم تطبيق هذا النهج في العديد من البلدان تحت مجموعة متنوعة من المسميات وبأشكال مختلفة:

  • في لندن الكبرى في المملكة المتحدة، تُعرَّف المناطق ذات الأولوية الأثرية بأنها “مناطق ذات أهمية أثرية معروفة أو يمكن إجراء اكتشافات جديدة فيها” وحيث قد تؤثّر مشاريع التوسّع العمراني أو البناء سلباً على الأصول التراثية.
  • في سويسرا، يوفّر إنشاء مناطق الحماية الأثرية الأساس القانوني لوقف أنشطة البناء والأعمال الإنشائية مؤقتاً للسماح بالبحث الأثري.
  • في ألمانيا، وفقاً للموقع الإلكتروني المتحف الروماني-الجرماني في كولونيا “تقوم البلدية عند الإشراف على عمليات البناء بفحص كافة طلبات الحصول على تصاريح البناء لتحديد ما إذا كانت المواقع الأثرية أو المعالم التاريخية معرضة للخطر من قبل المشروع. إن كان الأمر كذلك، يدعى الباني والمهندس المعماري لمناقشة الأسباب والمدة المقدّرة لأعمال التنقيب لإنقاذ الآثار قبل البدء بالبناء الفعلي، وبالتالي منح الباني موثوقية التخطيط. تعتمد مدة التقصيات الأثرية على حجم المنطقة المعنية وعمق الطبقات الأثرية بالإضافة إلى نوع وتعقيد الاكتشافات المتوقعة. خلال ما يقرب من مائة عام من الحماية التاريخية في المنطقة العمرانية بكولونيا، تم حفظ أكثر من 3000 تقرير عن لقيّات قديمة ليكون من الممكن غالباً التنبـؤ بها بشكل دقيق”.

في سياق إعادة الإعمار بعد النزاع المسلح، قد تبرز حاجة ماسة لأنشطة بناء تتطلب أعمال حفر كبيرة، لذا فإن تعيين مناطق حماية أثرية خاصة يمكن أن يساعد في منع الإضرار بطبقات التراث الأثري الهامة أو تدميرها. تعتبر هذه المناطق من حيث المبدأ ذات أهمية فيما يتصل بجميع الأعمال التي تستلزم تدخلاً كبيراً في التربة (تحت الأرض) – ليس فقط الحفر من أجل عمليات البناء، ولكن أيضاً الأعمال تحت الأرض الخاصة بالمرافق (مثل تمديدات المياه والغاز)، والتي قد لا تحتاج إلى إذن تخطيط.

يعتمد تخطيط/ إنشاء مناطق الحماية الخاصة عادةً على وجود أحكام قانونية منصوص عليها في القانون الوطني. إذا تم تطبيق هذا النهج بشكل صحيح، يمكن أن يكون مفتاحاً للتخطيط لإعادة إعمار مراعية للاعتبارات الثقافية.

توثيق المعلومات الأثرية عن مدينة حلب القديمة

© H. Kuhle for CIM

رغم وجود مخزون معلومات عن المراحل المختلفة لتطور المدينة التاريخي، إلا أنه لا توجد قاعدة بيانات ممنهجة حول التراث الأثري لمدينة حلب والمناطق المحيطة بها. المعلومات المتعلقة بالطبقات الأثرية تحت مدينة حلب القديمة محدودة وغير مكتملة، وتغطي بضعة مناطق أساسية فقط مثل القلعة والسوق الرئيسي، والتي لا تزال تُظهر نمط المدينة الروماني -الهلنستي القديم وتعكس بالتالي فترة محددة من التاريخ.

ونظراً للضرر الهائل الذي سببته الحرب في أجزاء كثيرة من المدينة القديمة، وما نتج عنه من حاجة لإعادة الإعمار الشامل، يبرز خطر كبير من القيام بهذه الأعمال الضرورية فقد تؤثر على الطبقات الأثرية الحساسة وتدمرها.

وإزاء هذه الوضع، تضافرت جهود أصدقاء مدينة حلب القديمة في ألمانيا مع جهود علماء وباحثين من جامعة برلين للعلوم التطبيقية لجمع كافة المعلومات الأثرية المتوفرة عن مدينة حلب القديمة في مشروع ممول من قبل مؤسسة جيردا هنكل. و ستكون النتيجة عبارة عن طبقة من المعلومات الأثرية التي يمكن دمجها في نظم المعلومات الجغرافية الموجودة، مثل قاعدة البيانات الجغرافية الرقمية لمواقع التنقيب السورية، والخريطة المورفولوجية لمدينة حلب القديمة والمعلومات المكانية لمشروع أرشيف التراث السوري.

يهدف المشروع كذلك إلى تطوير القدرات والخبرات المهنية لدى علماء الآثار السوريين من خلال التدريب والتعرّف العملي على توثيق وتحليل المعلومات الأثرية. يجب إيلاء اهتمام خاص في هذا السياق لطرق حماية الأصول الأثرية قبل وأثناء إجراءات التدخل في تربة الموقع، بما في ذلك استعادة أو حفظ أي آثار في موقعها الأصلي يتم العثور عليها أثناء إزالة الأنقاض أو أثناء أعمال الإنشاء اللاحقة.

إن تجميع وتحليل وتسجيل المعلومات الأثرية في طبقة خاصة من نظم المعلومات الجغرافية سيمكّن فريق المشروع من تحديد تدابير الحفظ المناسبة، مثل إنشاء مناطق خاصة للحماية الأثرية. لهذا الغرض، سيتم مسح كافة البيانات المتاحة وإسنادها جغرافياً. وسيتم عند الحاجة جمع معلومات جيولوجية إضافية، وإنشاء دراسة استراتيغرافية للطبقات، مما سيتيح للعلماء تقييم المواقع التي تحتاج فيها الهياكل الأثرية تحت الأرض إلى الحماية.

بما أنه لا يمكن تقدير تاريخ حلب بالكامل دون النظر إلى المواقع الأثرية في المناطق المجاورة للمدينة، فإن المشروع يشمل أيضاً تسجيل المعلومات الأثرية الخاصة بالمنطقة المحيطة. سيغطي ذلك تقريباً كافة البيانات الخاصة بالمواقع في المنطقة المحيطة بحلب، بدائرة نصف قطرها حوالي 50 كيلومتر إلى الشمال، ونحو 30 إلى 35 كيلومتر باتجاه الشرق والجنوب والغرب. سيتم تحديد مجموعة مختارة من المواقع الأثرية المهمة والمهددة بشدة في الوقت الحالي ووصفها بتفصيل أكبر. تأتي أهميتها من تغيرات السلطة السياسية في المنطقة – لم يكن مقر السلطة دائماً في حلب، ولكنه انتقل مؤقتاً إلى مدن أخرى في المنطقة عبر التاريخ القديم وحتى الحديث أيضاً. كما لا يقتصر ضرر الحرب على المدينة نفسها، بل يشمل المنطقة المحيطة بها أيضاً.

يتم جمع المعلومات الخاصة بالمشروع من صور الأقمار الصناعية وكذلك من صور المواقع والحفريات وتوثيقها في الخرائط المساحية (الأثرية).

وعلاوةً على توفير أساس أفضل لحماية التراث الأثري، فإن البيانات التي يتم جمعها ستثري البحث الأكاديمي المستقبلي حول تاريخ حلب وضواحيها.

 

مزيد من المراجع و المصادر

Date: 16. August 2018 | Last modified: 16. August 2019

You might also be interested in...

A Syrian boy walks past the collapsed minaret of a mosque in the rebel-held city of Douma, outside Damascus, 31 March 2016. Mohammed Badra /EPA

© Mohammed Badra/Picture alliance/dpa

المعالم التاريخية

إن تقييم الأضرار التي لحقت بالآثار التاريخية يلقي نظرةً فاحصة على حالة المباني الفردية، أو مجمعات الأبنية، التي تمتلك قيمة

A torched police station interior in the city of Zawiyah, west of the capital Tripoli, Libya, 05 April 2011. Mohamed Messara/EPA

© Mohamed Messara/Picture alliance/dpa

الضرر المؤسساتي

الحرب والنزاع المسلح لا يدمران المباني والبنى التحتية المادية فحسب، بل يعطّلان البنى والقدرات المؤسساتية ويدمرانها، لا سيما في حالة

The ruined Great Mosque of al-Nuri (foreground) after Islamic State destroyed the symbol of the Old City of Mosul, Iraq, 29 July 2017. Kyodo/MAXPPP

© Yusuke Suzuki/Picture alliance/MAXPPP

الضرر القطاعي

بغية التحقق من النتائج التي يتوصل إليها تقييم كلي للأضرار ولحصر الضرر المادي، يتوجّب إجراء تقييم أكثر تفصيلاً للأضرار القطاعية

UNOSAT_A3_Aleppo_DamagePercentage_20160918

© Unitar/UNOSAT

الضرر الكلّي

ستكون إحدى أولى الأولويات بعد انتهاء القتال هو تقييم الأضرار التي لحقت بالمباني التاريخية والبنية العمرانية الحساسة للمدن القديمة.